يروي تقرير أعدّته وكالة فرانس برس مشاهد التحوّل الصادم في حياة المصريين، حيث تغيّرت ملامح القاهرة الليلية بشكل جذري تحت ضغط أزمة الطاقة. ويصف أحد السكان كيف أغلقت الشوارع مبكرًا، وكيف فقدت المدينة صخبها المعتاد، ليحل محله صمت غير مألوف.
ينشر موقع فرنسا 24 هذا التقرير في سياق تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي رفعت أسعار الطاقة عالميًا وأثقلت كاهل الاقتصاد المصري المعتمد على استيراد الوقود.
ليالٍ مطفأة… مدينة تفقد روحها
فرضت الحكومة إغلاق المحال عند التاسعة مساءً خلال الأسبوع والعاشرة في عطلة نهاية الأسبوع، مع استثناءات محدودة خلال المناسبات. قلب هذا القرار نمط الحياة في مدينة اشتهرت بسهرها حتى الفجر.
كانت ليالي القاهرة تمتلئ بالحياة؛ عائلات تتنزه، وشباب يتجمعون، ومقاهٍ تعج بالموسيقى. أما الآن، فيهرع الناس لإنهاء مشترياتهم قبل إطفاء الأنوار، بينما تجوب دوريات الشرطة الشوارع لضمان الالتزام، ولا يبقى سوى دراجات التوصيل في الظلام.
يشبّه بعض السكان المشهد بفترة الإغلاق خلال جائحة كورونا، حيث تختفي الحيوية تدريجيًا، وتتحول المدينة إلى نسخة باهتة من نفسها.
الاقتصاد يدفع الثمن
تخسر المحال الصغيرة جزءًا كبيرًا من دخلها، حيث يعتمد كثير منها على الزبائن في ساعات المساء. يقدّر بعض التجار أن إيراداتهم تراجعت بأكثر من النصف خلال أيام قليلة.
ترتفع فاتورة استيراد الطاقة بشكل حاد، حيث قفزت من نحو مليار دولار شهريًا إلى 2.5 مليار دولار بين يناير ومارس. وتستهلك الكهرباء وحدها نسبة كبيرة من ميزانية الطاقة، ما يضع الحكومة تحت ضغط مستمر.
اتخذت السلطات إجراءات استثنائية لمواجهة الأزمة، شملت رفع أسعار الوقود، وتقليل الإنفاق على بعض المشروعات، وتطبيق العمل عن بُعد في أيام محددة، بالإضافة إلى خفض إضاءة الشوارع.
يضرب التأثير بشكل أكبر الاقتصاد غير الرسمي، الذي يوفر وظائف لغالبية العمال. ويؤدي تقليص ساعات العمل إلى تقليص الدخل مباشرة، ما يزيد من الضغوط الاجتماعية.
تتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، بينما ترتفع معدلات التضخم، ما يعمّق الإحساس بالأزمة لدى المواطنين.
السياحة والترفيه تحت الضغط
تتلقى قطاعات مثل السينما والسياحة ضربة قوية. تعتمد دور العرض على عروض المساء المتأخرة، والتي تمثل الجزء الأكبر من الإيرادات، ما يدفع المنتجين إلى تأجيل أعمالهم.
يتأثر أيضًا القطاع السياحي، رغم استثناء بعض المناطق مثل الأقصر وأسوان. لكن في القاهرة، تضطر الأسواق التاريخية مثل خان الخليلي إلى الإغلاق المبكر، حتى مع استمرار تدفق السياح.
يشكو التجار من عدم منطقية إغلاق المحال بينما يصل الزوار في وقت متأخر، إذ يصعب تحقيق أي عائد خلال فترة قصيرة. ويؤكد العاملون في السياحة أن جاذبية القاهرة تعتمد على طاقتها الليلية، وأن اختفاء هذه الأجواء قد يدفع السياح للبحث عن وجهات أخرى.
في النهاية، تكشف هذه الإجراءات عن عمق الأزمة التي تضرب الاقتصاد المصري، حيث تفرض صدمة الطاقة تغييرات قاسية على الحياة اليومية. وبين محاولات التكيّف والخسائر المتزايدة، تبدو القاهرة وكأنها تعيش مرحلة اختبار صعبة، تعيد رسم ملامحها تحت ضغط الواقع الاقتصادي العالمي.

